السيد كمال الحيدري

177

تأويل القرآن (النظرية والمعطيات)

كلمة من القرآن إلّا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك . وإنّما ينكشف للراسخين في العلم من أسراره بقدر غزارة علومهم وصفاء قلوبهم وتوفّر دواعيهم على التدبّر وتجرّدهم للطلب ، ويكون لكلّ واحد حدٌّ في الترقّي إلى درجة أعلى منه . فأمّا الاستيفاء فلامطمع فيه ، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً ، فأسرار كلمات الله لا نهاية لها فتنفد الأبحر قبل أن تنفد كلمات الله عزّ وجلّ . فمن هذا الوجه يتفاوت الخلق والفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير ، وظاهر التفسير لا يُغني عنه » « 1 » . والحاصل « فهذه الأمور تدلّ على أنّ في فهم معاني القرآن مجالًا رحباً ومتّسعاً بالغاً ، وأنّ المنقول من ظاهر التفسير ليس منتهى الإدراك فيه » « 2 » . كلام ملّا صدرا الشيرازي ينطلق الشيرازي لفهم ظاهر القرآن وباطنه من رؤية كونية تقوم على أساس ثلاثة وجودات محورية هي : الإنسان والقرآن والعالم ؛ بينها علاقات وشيجة وتماثل يصل حدّ التطابق - كما وقفنا على ذلك عند الآملي . فالإنسان عالمٌ صغير توجد فيه حقائق العالم بأكملها ، هي فيه على حال الاجتماع ، فيما هي في العالم الخارجي ( الآفاقي ) متفرّقة ، والعالم بدوره إنسانٌ كبير ، ومن ثمّ فإنّ حكمهما واحد ، والقرآن رديف ثالث للإنسان والعالم لا يشذّ عنهما في الحكم ، فكلّ الأحكام العامّة

--> ( 1 ) إحياء علوم الدِّين ، مصدر سابق : ج 1 ص 293 . ( 2 ) المصدر نفسه : ج 1 ص 290 .